يحيي بن حمزة العلوي اليمني
162
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
درجة في ظهور الأداة وإضمارها ، وفي حصول المشبه به وعدم حصوله فمنها ما هو ظاهر متيسر تقديره على سهولة ، ومنها ما يتعذر المشبه به ، وإنما يتلطف في تقديره بنوع من الاحتيال والتلطف ، ومنها ما هو متوسط بين الدرجتين ، فهذه درج ثلاث بالإضافة إلى تقدير المشبه في الإضمار والإظهار نفصلها بمعونة الله ولطفه . الدرجة الأولى : ما يكون المشبه به ظاهر التقدير لا يحتاج في تقديره إلى تكلف ، بل يتيسر تقديره على قرب ، وهذا كقولنا : زيد الأسد ، فإن التقدير فيه زيد كالأسد على سهولة من غير إضمار ولا خروج عن قاعدة ، وهكذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « البدعة شرك الشّرك » لأن التقدير البدعة كالشرك للشرك ، يريد مصايد له وأحبولات ، ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه في صفة التقوى « هي دواء داء قلوبكم وبصر عمى أفئدتكم » وقال في الإسلام : « هو ينابيع غزرت عيونها ، ومصابيح شبت نيرانها ، ومنار اقتدى به سفاره ، ومناهل روى بها واردها » وقال في القرآن « هو نور لا تطفأ مصابيحه ، وشعاع لا يخبو توقده ، وبحر لا يدرك قعره » فهذه الاستعارات كلها من التشبيه المضمر الأداة فيها أداة التشبيه على أسهل حال ، وأقرب منال ، كما مثلناه في الصورة الأولى . الدرجة الثانية في غاية البعد من الأولى وهي الصورة الرابعة والخامسة وهي أدق الصور في تقدير التشبيه فيها ، فلا يتفطن للتشبيه فيهما إلا باستخراج وتأمل وفكر بالغ ، يدرك بنوع من التلطف والاحتيال كما سنوضحه ، وما ذاك إلا لأجل توغلها في حسن الاستعارة وإغراقها فيها ، وهذا يدلك على مصداق ما قاله أهل البراعة من أهل هذه الصناعة ، من أن التشبيه كلما ازداد خفاء ازدادت الاستعارة حسنا ورشاقة ، يشيرون به إلى ما ذكرناه ، ومثاله قوله تعالى : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ [ الحشر : 9 ] فهذه الاستعارة من أعجب الاستعارات وأدقها ، ووجه دخولها في الحسن ، هو أنهم لتمكنهم في الإيمان وإشراب قلوبهم محبته ، والتصاقه بلحومهم ودمائهم ، صار كالمباءة لهم والمسكن الذي يتوطنونه ، ومع هذا يصعب تقدير التشبيه ، ونهاية الأمر فيه أن يقال : إنه صار كالمباءة ، وعند تقدير ما ذكرناه من التشبيه يضعف أمر الاستعارة ، وينزل قدرها ، ويرك أمرها وحالها . وأما بيت الفرزدق الذي أنشدناه وهو قوله ( ما ضر تغلب وائل ) فهذا البيت من الأبيات التي علا قدرها في البلاغة وأقر لها الناس بالحسن في الاستعارة ، وما ذاك إلا لإغراقها في الاستعارة والدخول فيها ، فتقدير التشبيه فيها يخرجها عن مكانها الرفيع ، ومحلها المنيع ،